السيد الطباطبائي
21
الإنسان والعقيدة
اللاحق ؛ لقوله سبحانه : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ الآية « 1 » . وهذه الموجودات غير المحدودة حيث لا حدّ لها ولا بينها ، فهي موجودة جميعا بوجود واحد على كثرتها ، ومشتملة على جمّ الكمالات التي في عالمها ، ولا خبر ولا أثر هناك عن الاعدام والنواقص التي تفيدها المادّة ، والإمكان أو الحدّ والفقدان . ولا تزال تتنزّل عن مرتبة إلى مرتبة ، حتى تشرف على عالم الأجسام ، وهي في جميع مراحلها مشتملة على جمل الكمالات مبرّأة عن النواقص . غير أنّها في كلّ مرتبة ، بحسب ما يقتضيه حال المرتبة من قوّة الموجود وضعفه ، ولا حجاب ولا غيبوبة ، بل أشعة الكلّ واقعة من الكلّ على الكلّ ، ومنعكسة من الكلّ إلى الكلّ ، فهي أنوار طاهرة ، ولذلك وصف سبحانه الروح الذي هو من عالم الأمر بالطهارة والقدس ، فقال : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ « 2 » . وقال : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ « 3 » . وحكى سبحانه ذلك عن الملائكة فقال سبحانه : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ « 4 » . أي نظهر قدسك وطهارتك عن النواقص بذواتنا وأفعالنا ، حيث إنّ ذواتنا بأمرك ، وأفعال ذواتنا بأمرك كما يومي إلى جميع المرحلتين قوله سبحانه : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ « 5 » .
--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 96 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 87 . ( 3 ) سورة النحل : الآية 102 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 30 . ( 5 ) سورة الأنبياء : الآيتان 26 و 27 .